ابراهيم بن عمر البقاعي

437

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

كما نبه عليه بخصوص الخطاب في أول هذا الباب للمنزل عليه هذا الكتاب ، وأما غيره وغير من تبعه بإحسان فهم كبهائم الحيوان . ولما كان الذي قرر به أمرا فيما يظنه السامع ظاهرا كما كان جديرا بأن ينكر بعض الواقفين مع الظواهر تخصيص الألباء به ، سبب عن ذلك الإنكار في قوله : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ أي الذي له القدرة الكاملة والعلم الشامل صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ أي للانقياد للدليل ، فكان قلبه لينا فانقاد للإيمان فاهتدى لباطن هذا الدليل فَهُوَ أي فيتسبب عن إسلام ظاهره وباطنه للداعي أن كان عَلى نُورٍ أي بيان عظيم بكتاب ، به يأخذ ، وبه يعطي ، وإليه في كل أمر ينتهي قد استعلى عليه فهو كأنه راكبه ، يصرفه حيث يشاء ، وزاد في بيان عظيم هدايته بلفت القول إلى مظهر الإحسان فقال : مِنْ رَبِّهِ أي المحسن إليه إحسانه في انقياده ، فبشرى له فهو على صراط مستقيم ، كمن جعل صدره ضيقا حرجا فكان قلبه قاسيا ، فكان في الظلام خابطا ، فويل له - هكذا كان الأصل ولكن قيل : فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ أي لضيق صدورهم ، وزاد في بيان ما بلاهم به من عظيم القسوة بلفت القول إلى الاسم الدال على جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى فقال : مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فإن من تبتدىء قسوته مما تطمئن به القلوب وتلين له الجلود ، من مدح الجامع لصفات الكمال فهو أقسى من الجلمود . ولما كان من رسم بهذا الخزي أخسر الناس صفقة أنتج وصفه قوله تعالى : أُولئِكَ أي الأباعد الأباغض فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * أي واضح في نفسه موضح أمره لكل أحد ، فالآية من الاحتباك : ذكر أولا الشرح والنور دليلا على حذف ضده ثانيا ، وثانيا الويل للقاسي والضلال دليلا على حذف ضده أولا - روى البيهقي في الشعب والبغوي من طريق الثعلبي والحكيم الترمذي من وجه آخر عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ هذه الآية ، قال : فقلنا : يا رسول اللّه ! كيف انشراح صدورهم ؟ قال : إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح ، قلنا : يا رسول اللّه ؟ فما علامة ذلك ؟ قال : الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزول الموت « 1 » . وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري : والنور الذي من قبله سبحانه نور اللوائح بنجوم العلم ، ثم نور اللوامع ببيان الفهم ، ثم نور المحاضرة بزوائد اليقين ، ثم نور المكاشفة بتجلي الصفات ، ثم نور المشاهدة بظهور الذات ، ثم أنوار الصمدية بحقائق التوحيد ، فعند ذلك لا وجد

--> ( 1 ) أخرجه البغوي 4 / 68 « معالم التنزيل » من حديث ابن عباس وإسناده غير قوي لأجل الثعلبي . وأخرجه الترمذي الحكيم في نوادره ص 127 من حديث ابن مسعود وإسناده ضعيف وله طرق أخرى .